عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

90

معارج التفكر ودقائق التدبر

ومقدار التحصيل العلمي يوزن بموازين فكريّة خاصة . وللحبّ موازين ، وللكراهية موازين ، إلى غير ذلك ممّا لا يحصر . وكلّ شيء في الوجود يخضع لنظام المقادير المختلفة المتفاضلة فإنّ ضبط مقداره يحتاج إلى ميزان يلائم طبيعته . فإذا لا حظنا أنّ اللّه عزّ وجلّ قد خلق كلّ شيء فقدّره تقديرا وأنّ كلّ شيء عنده بمقدار ، وكما قال جلّ جلاله في سورة ( القمر / 54 مصحف / 37 نزول ) : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ . ( 49 ) فلا بدّ أن ندرك أنّ لكلّ جنس من أجناس الوجود ، ولكلّ نوع من أنواعه ، ولكلّ صنف من أصنافه ، ولكلّ جزئيّ من جزئيّاته ، ميزانا يلائم طبيعته ، وبهذا الميزان تكتشف مقاديره . ولهذا امتنّ اللّه على عباده بأمرين أساسين كلّيّين أنزلهما : الأمر الأول : الحقّ . الأمر الثاني : الميزان . * فالحقّ يدرك بما وهب اللّه النّاس من وسائل علميّة يمكن أن يعرفوا بها قدرا كبيرا منه ، ويدرك بما أنزل اللّه لعباده من كتب ، وبما أوحى به إلى رسله من معارف . * والميزان يكشف به نسب التعادل والتراجح بين الأشياء في مقاديرها ، وقد وضع اللّه عزّ وجلّ أنظمة الموازين في الأرض ، ليكتشفها النّاس بما آتاهم من قدرات ووسائل ، وليزنوا بها مقادير الأشياء ، وليقيموا الوزن بالقسط ، ويعدلوا بين أصحاب الحقوق ، فيعطوا كلّ ذي حقّ حقّه . وأنزل جلّ جلاله فيما شرع لعباده القواعد والضوابط والأسس